سورة مريم - تفسير التفسير القرآني للقرآن

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (مريم)


        


{كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)}.
التفسير:
مناسبة هذه السورة لسورة الكهف قبلها، أنها اشتملت على آيات وخوارق، على نحو ما اشتملت عليه سورة الكهف، التي ضمّت على هذه الآيات العجيبة.. في أصحاب الكهف، وفى صاحب الجنّتين، وفى موسى، والعبد الصالح.. ثم في ذى القرنين، وما جرى على يديه!.
وفى سورة مريم هذه، تعرض السورة آيات من قدرة اللّه، نجدها في استجابته سبحانه لدعوة عبد من عباده هو زكريّا عليه السلام، إذ رزقه الولد على الكبر، وعلى ما كان من امرأته من عقم.. كما نجد تلك الآية العجيبة في ميلاد المسيح- عليه السلام- من غير أب!
كما نجد المناسبة أيضا: بين قوله تعالى: في آخر سورة الكهف: {قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً} وبين قوله تعالى في مطلع سورة مريم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ...}.
إلى قوله تعالى: {ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}.
فعيسى عليه السلام، ليس إلا كلمة من كلمات اللّه التي لا تنفد.. كما يقول سبحانه: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ} [171: النساء].
قوله تعالى: {كهيعص}.
بهذه الأحرف الخمسة تبدأ السورة، وهى تكاد تكون فريدة في هذا البدء، بذلك العدد الكثير من الحروف، لا يشاركها في هذا إلا سورة الشورى، فقد بدأت مثلها بخمسة أحرف مرتبة على هذا النحو: {حم عسق}.
وقد انفردت كل منهما بأربعة أحرف، واشتركتا معا في حرف واحد هو العين.
ولا نستطيع أن نعل لهذه الكثرة من الحروف، فذلك وجه من وجوه إعجاز القرآن الذي لا يزال سرا محجبا لم ينكشف لنا. وإن يكن قد انكشف للراسخين في العلم، فجعلوه سرا، لم يؤذن لهم البوح به! قوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا}.
{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} {ذكر} خبر لمبتدأ محذوف تقديره، هذا، و{عبده} مفعول به للمصدر {ذكر} و{زكريا} بدل من {عبده}.
ومعنى {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} أي: هذا خبر رحمة ربك، وألطافه بعبده زكريا.
وقوله تعالى: {إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا} بيان للظرف الذي كانت فيه مهابّ أنسام هذه الرحمة... وإذ كانت رحمة اللّه لا تنقطع عن عباده المؤمنين وخاصة من اصطفاهم لرسالته، فإن ذكر الرحمة، والحديث عنها في هذا الظرف، هو لبيان مزيد هذه الرحمة ومجيئها في صورة، تكاد- لما حملت من ألطاف- تكون رحمة خاصة تستحق الذكر والتنويه.
والنداء هنا معناه: الدعاء، كما ذكر ذلك في قوله تعالى: {هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [38: آل عمران].
والنداء الخفي: هو الدعاء في سرّ، دون جهر ومعالنة.. إذ كان ذلك فيما بينه وبين ربه.. بعيدا عن أعين الناس، وأسماع الناس.
وقد يكون هذا الدعاء من خواطر النفس، وأمانىّ الفؤاد. ومع ذلك فإن اللّه سبحانه وتعالى، قد سمعه، وعلمه، وجعله قولا مصوّرا في كلمات، منطوقا باللسان.. وهذا هو ما يشير إليه قوله تعالى: {قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}.
هذا هو الدعاء الذي دعا به زكريا ربه.
وقد بدأه أولا بهذا التذلل والتشكّى إلى اللّه.. وفى هذا الموقف، يقف العبد من ربه الموقف الذي ينبغى أن يكونه.. فهو عبد ضعيف، فقير، ذليل، بين يدى السيد القوى العزيز.. من بيده ملكوت السموات والأرض.
وهكذا ينبغى أن يكون الأدب من العبد بين يدى ربه.. وبهذا يكون في معرض من أن يؤذن له بالقرب من ربه، وأن يلقى الرضا والقبول.
{إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً}.
ووهن العظم، ضعفه ودقته.. وإذا ضعف عظم الإنسان ووهى، أو شك أن ينهار بنيانه، وأن تنقض أركانه.. فهيكل الإنسان هو هذا العظم، الذي يقوم به شكله، وتتحدد به هيئته.
وقوله: {وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} أبلغ في الإبانة عن الضعف، وذهاب القوة، من قوله: {وهن عظمى}.
إذ أن القول الأول يشير إلى أنه لا عظم معه، بل لقد ذهب هذا العظم، وما بقي منه فإنه لا غناء فيه.. أما القول الآخر فإنه يحدّث عن أن معه عظما، وأنه لا زال يملكه ويحرص عليه.
وقوله: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} أبلغ كذلك في الإبانة عن استيلاء الشيب على الرأس كلّه، من قوله: {واشتعل رأسى شيبا}.
فإن في النظم الذي جاء عليه القرآن دلالة على أن هذا الرأس كائن غريب يكاد ينكره صاحبه، لأنه أصبح بهذا الشيب على صورة غير تلك الصورة التي عهده صاحبه عليه منذ عرف أن له رأسا.. فهذا الرأس كان أسود الشعر، أو أصفره.. ثم ها هو ذا يراه وقد استحال إلى بياض معتم، كرماد تخلّف من النّار!- وقوله: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} استحضار لما للّه سبحانه وتعالى من سوابق الإحسان، وسوابغ الفضل على هذا العبد.. فما خذله ربّه أبدا، في أي موقف لجأ إليه فيه، وما ردّ ربه يده فارغة في أىّ حال مدّ إليه يده فيها.. وهو في هذه المرّة على رجاء من أن يستجاب له في يومه، كما استجيب له في أمسه!- وقوله: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}.
هنا- وبعد أن أدّى زكريّا ما يجب من الولاء لربّه، واللّجأ إلى فضله وإحسانه، وهو ما ينبغى أن يؤديه العبد لسيده ومالك أمره- هنا يبدأ زكريا يعرض حاجته، ويكشف عن الحال الداعية إلى هذا الطلب، الذي مدّ به يده إلى ربّه.
إنّه لا ولد له، والولد رغيبة تهفو إليها نفوس الآباء والأمهات، لا فرق في هذا بين إنسان وإنسان، حيث يجد المرء في الولد امتدادا لحياته، وروحا لروحه، وأنسا لقلبه..!
وقد كان زكريا- شأنه شأن كل رجل- يرجو أن يكون له ولد من صلبه، يتلقّى عنه رسالته في الحياة من بعده، وهاهوذا قد بلغ من الكبر عتيّا، ولم يرزق الولد، وهو يرى من أهله وقرابته، من ينتظر موته ليرث مخلّفاته، وكانوا شرار بنى إسرائيل.. فحزن لهذا، واشتدت رغبته في الولد، ليقطع به على هؤلاء الطامعين فيه، والمتعجلين موته- آمالهم.. ولكن أنّي يكون له ولد، وقد بلغ من الكبر ما بلغ، إلى ما عليه امرأته من عقم؟
ولم يكن بين يدى زكريا إلّا هذه الخواطر، يردّدها في صدره، ويتعزّى بها بينه وبين نفسه، ويدعو ربّه أن يجعل من هذه الخواطر، واقعا في يده.
وفى قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} ما يسأل عنه.. وهو: كيف يطلب أن يكون له ولد يرثه، والأنبياء لا تورث.. كما في الحديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث.. ما تركناه صدقة»؟
والجواب على هذا، هو أن الميراث، هنا ليس ميراث مال، ولا متاع، وإنما هو ميراث خلافة، يقوم فيها الخلف مقام السّلف.. حيث يكون الولد وارثا لاسم أبيه، وأصلا سلسلة النسب الممتدة من الأجداد، إلى الآباء، إلى الأبناء.


{يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (14) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)}.
التفسير:
فى هذه الآيات نجد ما يأتى:
أولا: قد استجاب اللّه لزكريا ما طلب، وهو في مقام الدعاء لم يبرحه بعد.
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في آية أخرى: {فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى} [39: آل عمران] كما يشير إلى هذا أيضا، ما جاء عليه النظم القرآنى في هذه الآية، حيث لم تصدّر بقول، بل جاءت بمقول القول هكذا: {يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى}.
وهذا يعنى أن زكريّا كان في مقام التخاطب مع اللّه سبحانه وتعالى.. فهو يدعو، واللّه سبحانه وتعالى يسمع ويجيب.
وثانيا: أن اللّه سبحانه وتعالى، هو الذي اختار للولد اسمه، فسمّاه {يحيى}.
وهو اسم لم يسمّ به أحد قبله.
وفى تسميته بيحيى، إشارة إلى أنه سيبقى له ذكر مخلّد في هذه الحياة، وأن حياته ستمتدّ بعد موته، بما يجرى على ألسنة الناس من ذكره، في مقام الحمد والثناء..!
وثالثا: أن عجب زكريّا ودهشه من أن يولد له ولد، وهو يعلم أن اللّه سبحانه لا يعجزه شىء، وأنه إذ يعلم هذا فقد طلب الولد، وهو في حال لا يولد منه ومن امرأته العقيم ولد- نقول: إن عجبه ودهشه لم يكن متوجها إلى اللّه سبحانه وإلى قدرته، وإنّما كان عجبا ودهشا من نفسه ومن زوجه أن يكون لهما ولد، وأن يراهما الناس وقد ولد لهما بعد هذا الزمن الطويل الذي عاشاه بغير ولد.. وقد جاء قوله تعالى: {قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} جاء هذا القول من اللّه تعالى، ليسكن به قلب زكريّا الذي طارت به الفرحة، واستبدّت به المفاجأة بهذا الأمر العجيب! ورابعا: استعجل {زكريا} الإمساك بهذا الولد الذي كان حلم حياته، فأراد ألّا يخرج من هذا المقام الذي هو فيه، دون أن يكون بين يديه أثر من هذا الولد، يمسك به، ويتعلل بالحياة معه، حتى يحين مولده، ولهذا قال: {رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً}! فهو يريد الآية التي يرى من خلالها وجه هذا الغلام، الذي طال انتظاره له.. فجاء قوله تعالى: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا}.
فكانت آيته أن يحبس اللّه لسانه عن الكلام لغير علة ثلاثة أيام، وثلاث ليال كاملة، لا يتعامل مع الناس فيها إلا بالرمز والإشارة.
وقد جعل بعض المفسّرين هذه الآية ضربا من الأدب، أو نوعا من العقوبة لزكريا، على اعتبار أن طلب الآية إنما هو لطلب اليقين من قدرة اللّه! وهذا فهم لا يستقيم، مع تلك النعم، وهذه الألطاف التي يفيضها اللّه على عبده زكريا.
والفهم الذي نستربح له هنا، هو أن هذا الصوم عن الكلام إنما كان عبادة يتقرب بها زكريّا إلى اللّه، إزاء تلك النعمة التي أنعم اللّه بها عليه.. ثم هو إشارة إلى الناس الذين سيطلع عليهم زكريا بأن حدثا عجيبا سيحدث، وأنهم في وجه معجزة، وشيكة الوقوع.. وهذا ما كان من موقف مريم حين ولدت عيسى، فقد أمرها اللّه سبحانه وتعالى، أن تلقى قومها صائمة عن الكلام يوما.. كما سيأتى في هذه السورة وقد عرضنا لهذا الأمر في سورة آل عمران.
وخامسا: في قوله تعالى: {يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} نداء من اللّه ليحيى الذي سيولد.. فهو مخاطب من الحق سبحانه وتعالى، وهو في عالم الغيب، كما يخاطب أبوه زكريّا، وهو في عالم الشهادة.
إن هذا الغائب الذي لم يوجد بعد، هو وهذا الحاضر الموجود، على سواء عند اللّه، ومع قدرة اللّه، وفى علم اللّه.. وكما يعقل الكائن الحىّ الرشيد العاقل، ما يخاطبه اللّه سبحانه وتعالى به، كذلك تعقل النطفة، أو ما ستتخلق منه النطفة..!!
وهكذا سيكون {يحيى} على هذه الصفة التي وصفه الحق سبحانه وتعالى بها، وندبه إليها، وهو أن يأخذ الكتاب- أي التوراة بقوة أي بجدّ، واجتهاد في تحرّى أحكامها، والاستقامة على تلك الأحكام.. وأنه سيبلغ مبلغ الرشد والكمال، وهو في سن الصبا.. {يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}.
والحكم هنا، هو الحكمة التي يحكم بها في الأمور التي تعرض له.


{وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (17) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (19) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (22) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (23) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (27) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)}.
التفسير:
هذه الآيات تحدث عن قصة مريم، وعن ميلاد المسيح عيسى ابن مريم، على تلك الصورة العجيبة، التي جاءت على غير مألوف المواليد من الأحياء في عالم البشر خاصة.
وقد ذكرت هذه القصة في سورة آل عمران، تالية لقصة ميلاد يحيى، كما جاءت على هذا الترتيب هنا.
غير أننا إذ نكتفى بما قلنا في تفسير الآيات الواردة عن هذه القصة في آل عمران.. نودّ أن نفسر هنا بعض المفردات، ثم نشير إلى ما لا بد من الإشارة إليه من مضامين القصة الواردة هنا.
انتبذت: انتحت ناحية، وأخذت مكانا خاصا.. وفى التعبير عن هذا بالانتباذ، ما يشير إلى أنها كانت في حال خاصة، تتكرّه فيها أن تختلط بالناس.
والرّوح: الملك، ويغلب أن يكون وصفا خاصا بجبريل عليه السلام.
والبغيّ: الفاجرة الزانية.. وهو من البغي والعدوان.
أجاءها المخاض: ألجأها واضطرها.. والمخاض ما يعترى المرأة وقت الولادة.
والنّسى المنسيّ: الشيء التافه الذي لا يحرص أصحابه على الإمساك به، ولا يذكرونه إذا ضاع منهم.
والسّرىّ: النهر الصغير، الذي يسرى في رقة وسكون.. والسّرىّ:
العظيم من الناس، المحمود فيهم.
والشيء الفرىّ: هو الغريب العجيب، الذي يجىء على غير مألوف الناس، فيفرى: أي يخرق عاداتهم.
والذي نريد أن نشير إليه من هذه القصة:
أولا: قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ}.
هو تنويه بشأنها، وذلك بإفساح مكان لها في القرآن الكريم، تذكر فيه، مع من يذكر من عباد اللّه المخلصين.
وثانيا: في سورة آل عمران، جاء قوله تعالى: {إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [45: آل عمران].
فالخطاب موجه إلى مريم من جماعة من الملائكة.. وهنا في سورة مريم يكون الخطاب بينها وبين ملك واحد: {فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا}.
{قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا}.
.. فما وجه هذا الخلاف في الموضعين، والقصة واحدة؟.
ونقول: إن المراد بالملائكة هناك هو عالم الملائكة، الممثل في واحد أو أكثر كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [173: آل عمران] حيث يصح أن يكون القائل واحدا من الناس لا جماعة منهم.
والذي يشهد لهذا أنه حين استمعت مريم إلى ما حدثها به عالم الملائكة وأظهرت عجبا واعتراضا على ما حدّثت به- كان الذي تولى دفع هذا العجب وردّ هذا الاعتراض، ملك واحد.. كما جاء في قوله تعالى: {قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ} [47: آل عمران].
وثالثا: لم تشر الآيات في آل عمران إلى أن أحدا من الملائكة قد تمثل لها في صورة بشر، وهنا قد أشارت الآيات إلى أن الروح قد تمثل لها بشرا سويا.
فما جاء هنا مكمل للصورة التي جاءت هناك، شارح لها، على حين يمكن أن تستقل كل صورة بالكشف عن الحدث، دون أن يختلف وجه الحقيقة بينهما.
ورابعا: في قوله تعالى: {فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ} إشارة إلى أن عيسى عليه السلام قد ولد ميلادا طبيعيا من رحم أمه، كما يولد غيره من الناس، وكما تلد الأمهات أبناءهن.. وأن مريم قد حملت به حملا طبيعيا، حتى إذا استوفت مدة حمله، وأحست بالمخاض لجأت إلى جذع نخلة، واستندت إليها، حتى تجد القوة على دفع الحمل من رحمها.
وخامسا: قوله تعالى: {فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا}.
اختلف في المنادى لها: أهو ملك؟ أم وليدها الذي بدأ يتحرك إلى العالم الخارجي؟.
والذي نأخذ به، هو أن المنادى لها، لا يكون ملكا، إذ لو كان ملكا لناداها من علوّ، وهو الجهة المتنزل منها.. وأنه إذا كان المنادى ملكا فلم يجىء إليها من تحت لا من فوق؟ وإذن فالمنادى لها هو من كان تحتها بالفعل، وهو وليدها!.
وفى حديث وليدها إليها في هذا الوقت، ما يكشف لها عن التجربة التي ستواجه بها قومها منه، حين تدعوه إلى الكلام، فيتكلم.. ولو أن عيسى لم يكن قد تكلم إليها، وأسمعها صوته من قبل، لما وجدت الجرأة على أن تلقى قومها بالطفل، ثم تلقاهم بهذا التحدّى، وهو أن تدعوهم إلى الاستماع إليه! ومما يؤيد هذا الرأى قراءة من قرأ: {فَناداها مِنْ تَحْتِها} باعتبار من اسم موصول يقع فاعلا، للفعل، {نادى}.
وسادسا: في قوله تعالى: {يا أُخْتَ هارُونَ}.
اختلف في هرون هذا.. من يكون؟ أهو هرون النبىّ أخو موسى؟
أم هو أخ لها من أبيها؟ أم هو رجل صالح معروف بين قومها بالتقوى؟ أم هو رجل فاجر يضرب به المثل عندهم لكل من يأتى منكرا؟
والذي نأخذ به أن {هارون} هذا هو هارون النبىّ، وقد أضيفت إليه، ولم تضف إلى موسى، لأنها كانت من نسل هارون، ولأن موسى لم يعقب نسلا.
وأضيفت إليه إضافة أخوة، لا إضافة بنوّة، لأن أبناء هرون، وذريته المتعاقبة منهم لم يكونوا على حال واحدة من الاستقامة والتقوى، ففيهم الصالح، وفيهم الفاسد،.. فهى وإن كانت بنت هرون نسبا، هى أخته وصنوه استقامة وصلاحا!.
وسابعا: قوله تعالى: {ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ما كانَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ}.
هو تعقيب على القصة، وعلى ميلاد هذا المولود على تلك الصورة التي أوقعت كثيرا من الناس في الضلال، فاتخذوا منه إلها، وجعلوه وجها من وجوه ثلاثة جعلوها للّه، هى الأب، والابن، وروح القدس.
وهذا التعقيب، قد يكون على لسان عيسى عليه السّلام.. كاشفا به عن حقيقته، وأنه إن يكن قد ولد لغير أب، أو تكلّم يوم مولده، فإن ذلك لم يكن ليخرجه عن حدود البشرية، ولم يكن ليجعل له إلى الألوهية سبيلا من أي وجه، وعلى أية صفة.. وقد يكون ذلك قولا ينبغى أن يقوله كل من يستمع إلى آيات اللّه التي تحدّث بها القرآن، عن مولد عيسى، فيصدّق بها، وينظر من خلالها إلى جلال اللّه وعظمته، وتفرّده بالخلق والأمر.
فالذين يمترون في عيسى، ويجادلون في أمره، بين من يرميه بأنه ابن سفاح، وبين من يقول إنه إله أو ابن إله- هؤلاء الذين يمترون فيه، قد كشف لهم عيسى عن وجهه، وتحدث إليهم بلسانه.. إنه عيسى بن مريم، وذلك هو القول الحق الذي ينبغى أن يقال فيه.. فهو ابن امرأة، لم تجىء به من رجل، وإنما من نفخة تلقتها من روح اللّه.. وانتماؤه أولا وأخيرا إلى أمّه، التي حملت به، ووضعته وأرضعته.. أما القول بأنه ابن اللّه، فهو قول آثم، سفيه {ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ.. سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ولو شاء- سبحانه- أن يخرج عيسى إلى هذه الدنيا من غير أب أو أم لما كان ذلك بالمعجز لقدرة اللّه.. {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [59: آل عمران].
ويكفى أن يكون آخر ما نطق به عيسى أن قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} ويكفى أن يكون آخر ما نطق به في مهده: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ} يكفى هذا ليكون شهادة تبطل كل قول يقال فيه، غير الذي نطق هو به.

1 | 2 | 3 | 4